أنعكاسات الاختلاف السياسي على النخبة والإعلام في مرحلة الاستقطاب.

يمثل الاختلاف السياسي أحد الركائز الجوهرية في النظم الديمقراطية، إذ يُفترض أن يكون أداة لتنافس البرامج والرؤى، ووسيلة لإنتاج السياسات العامة عبر الحوار والتداول السلمي للسلطة. غير أن هذا الاختلاف، في سياقات سياسية هشة أو انتقالية، قد ينحرف عن مساره الطبيعي ليأخذ طابعاً تصادميّاً، تتحول فيه التباينات السياسية إلى حالة من الاستقطاب الحاد والتخندق المتبادل، بما يترك انعكاسات مباشرة على أداء النخبة ودور الإعلام.
خلال الفترة الأخيرة، برزت ملامح واضحة لانقسام داخل النخبة السياسية والفكرية، لم يعد محكوماً بسقف الاختلاف في الخيارات أو الأولويات، بل بات أقرب إلى صراع على السرديات والشرعيات. هذا التحول أفرز خطاباً سياسياً متشنجاً، تُستبدل فيه الأدوات التحليلية بلغة التعبئة، ويُنظر إلى الخصم السياسي بوصفه تهديداً وجودياً لا شريكاً محتملاً في إدارة الدولة. ونتيجة لذلك، تراجعت قدرة النخبة على إنتاج توافقات مرحلية، وهي عنصر حاسم في استقرار الأنظمة الديمقراطية.
الإعلام، بوصفه فاعلاً سياسياً غير مباشر، لم يكن بمنأى عن هذه التحولات. فقد انتقل جزء من الخطاب الإعلامي من موقع المراقب والناقد إلى موقع الطرف المنخرط في الصراع، سواء عبر الاصطفاف الواضح مع قوى سياسية بعينها، أو من خلال تبنّي أجندات تعكس مصالح محددة. هذا الانزلاق من المهنية إلى التسييس المفرط أسهم في إعادة إنتاج الانقسام، وساهم في تشكيل وعي عام قائم على الاستقطاب، لا على الفهم النقدي للوقائع.
الأخطر في هذا المسار أن الاختلاف السياسي لم يعد يُدار ضمن أطر مؤسسية واضحة، بل بات يخضع لمنطق ردود الفعل والضغوط الآنية. ومع غياب الضوابط الأخلاقية والمهنية، تحوّل الخطاب العام إلى ساحة لتبادل الاتهامات والتشكيك، ما أضعف الثقة المتبادلة بين الفاعلين السياسيين، وعمّق الفجوة بين النخبة والجمهور.
إن جوهر الإشكالية لا يكمن في تعدد المواقف أو تضارب المصالح، بل في غياب آليات رشيدة لإدارة الخلاف. فالتخندق السياسي، حين يصبح سمة عامة، يعطل إمكانية إنتاج حلول وسط، ويغلق المجال أمام الإصلاحات الهيكلية التي تتطلب قدراً من التوافق الوطني. كما أنه يفتح الباب أمام الشعبوية السياسية التي تستثمر الانقسام لتعزيز النفوذ، على حساب المصلحة العامة.
من هنا، تبرز الحاجة الملحة إلى إعادة ضبط الخطاب السياسي والإعلامي، وإعادة الاعتبار لمفهوم الاختلاف بوصفه ممارسة ديمقراطية منظمة لا حالة صدامية مفتوحة. ويتطلب ذلك من النخبة السياسية تجاوز الحسابات الضيقة، والانخراط في خطاب مسؤول يعترف بالتعددية ويبحث عن المشتركات، كما يتطلب من الإعلام استعادة دوره كسلطة رقابية مستقلة، لا كأداة في معارك الاستقطاب.
في المحصلة، إن مستقبل التجربة الديمقراطية مرهون بقدرة الفاعلين السياسيين والإعلاميين على إدارة الاختلاف ضمن قواعد عقلانية ومؤسسية. فالديمقراطية لا تُقاس بحدة الصراع، بل بقدرتها على تحويل التباين إلى طاقة سياسية منتجة، لا إلى عامل انقسام يهدد الاستقرار السياسي والاجتماعي.

